محمد كرد علي
191
خطط الشام
مصائب الكتب ودورها : ما برحت خزائن الكتب تزيد على الزمن بازدياد الحضارة في الإسلام وتنتقل الكتب من مصر إلى الشام ، ومن الشام إلى العراق ، ومن الحجاز إلى الشام مثلا ، ويعنى بها العلماء والأدباء ، ويتنافس في اقتنائها الملوك والأمراء ، ويضعف الغرام بها يوم تضعف الحركة العلمية ويرغب عن الفضائل ، ما برحت الحال على ذلك حتى دخل الروم حلب وأحرقوها سنة ( 351 ) ثم أحرقوا حمص وغيرها من المدن . ثم وقع الحريق الأعظم الذي في الجامع الأموي سنة ( 461 ) ودثر ما كان فيه من الكتب والمصاحف . وربما حرق فيه المصحف العثماني القديم . ومن أهم النكبات التي أصيبت بها الكتب نكبة طرابلس لما فتحها الصليبيون وإحراق صنجيل أحد أمرائهم كتب دار العلم فيها ، وأخذ الصليبيون بعض ما طالت أيديهم إليه من دفاترها وكتب الخاصة في بيوتهم . واختلفت الروايات في عدد المجلدات التي كانت في خزانة بني عمار أو دار حكمتهم في طرابلس ، وعلى أصح الروايات أنها ما كانت تقل عن مائة ألف مجلد ، وأوصلها بعضهم إلى ألف ألف وبعضهم إلى أكثر . وقفها الحسن بن عمار وجاء بعده علي بن محمد بن عمار الذي جدد دار العلم سنة ( 472 ) ثم عمار بن محمد حتى صارت طرابلس كما قال ابن الفرات في زمن آل عمار جميعها دار علم ، وكان في تلك الدار مائة وثمانون ناسخا ينسخون لها الكتب بالجراية والجامكية ، فضلا عما يشترى لها من الكتب المنتخبة من الأقطار . وابن الفرات هو ممن يقول بأن عدد ما كان في دار العلم هذه من الكتب نحو ثلاثة ملايين كتاب عندما أحرقها الصليبيون سنة ( 503 ه ) . والغالب أنه كان في طرابلس من الكتب الموقوفة غير دار العلم وقفت قبل بني عمار ، وأراد ابن الفرات بهذه الثلاثة آلاف الألف عدد الكتب التي كانت في مكاتب طرابلس كلها . ولا ينبغي أن يذهب عن الخاطر أن ما كانوا يسمونه جزءا أو مجلدا أو مجلدة لا يتجاوز بضع كراريس من كراساتنا ، والكراسة قد لا تكون أكثر من ثماني صحائف بمعنى أن ألف المجلدة أو المجلد لا تبلغ في مصطلحنا